صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

175

تفسير القرآن الكريم

الغاية هي بعينها ما هو الفاعل لوجودها ، لأنا لو جعلنا الغاية أمرا معلوما لكان لوجودها غاية غيرها - كما انّ لها فاعلا - فيتسلسل أو يدور . وأيضا : لا يكون ما فرض غاية غاية ، إذ الكلام في الغاية القصوى ، ولكان الباري يحتاج في فعله إلى داع يستولى عليه ويجبره في فعله . وأيضا : يلزم أن يكون ناقصا في فاعليّته مستكملا بغيره مما فرض غاية والتوالي بأسرها باطلة ، فكذا المقدم . ثم إنا لو وصفنا كلا من الفاعل والغاية بالمباينة الكلية يقتضي ذلك تعدد الباري ، ويقتضي أيضا سلب الماهية عنهما ويستحيل وجود شيئين كل منهما لا ماهية له ، فاللّه هو الأول الذي يبتدي منه الأمور والآخر الذي يرجع إليه الأمور ، فمنه يحصل الأشياء في الابتداء ، وإليه ينساق الموجودات في الانتهاء وهو الفاعل للوجود والغاية له في الشهود . 79 فإن قلت : كيف يكون ما هو العلة الفاعلية علة غائية ؟ والفاعل قبل الشيء لينبعث منه الشيء ، والغاية بعد الشيء ليستتبعها الشيء ؟ قلنا : إن العلة الغائية - إن تأملت - فهي بالحقيقة هي العلة الفاعلية دائما - لا في هذه المادة خاصة - فإن الجائع إذا أكل ليشبع فإنما أكل لأنه تخيّل الشبع فحاول أن يستكمل له وجود الشبع فيصير من حد التخيّل - وهو وجود ضعيف - إلى حد العين - وهو وجود قوي - فهو من حيث أنه شبعان تخيّلا هو الذي يأكل ليصير شبعان وجودا ، فالشبعان تخيّلا هو العلة الفاعلية ، والشبعان وجودا هو العلة الغائية فالأكل صادر من الشبع ومصدر للشبع ، فالشبع هو الذي كان علّة فاعليّة للأكل وعلة غائية له ، ولكن باعتبارين : فهو باعتبار الوجود العلمي فاعل وعلّة غائية ، وباعتبار الوجود العيني غاية . لكن يجب للعارف البصير أن يفرق بين الفاعل الناقص الواقع تحت الكون وبين الفاعل التامّ المرتفع عن الكون المقدس عن الاثنينيّة والتركيب لا في الذات ولا في الاعتبار 80 ، لأن فاعليّته تامة ليست له غاية زائدة على ذاته ، وعلمه بالأشياء